فخر الدين الرازي

107

تفسير الرازي

من فضله ، ولو كفرتم لسلبها منكم ، فما قولكم ، أفلا تشكرون استدامة لها واستزادة فيها ؟ . ثم قال تعالى : * ( وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ) * إشارة إلى بيان زيادة ضلالهم ونهايتها ، فإنهم كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنعمه ، فتركوها وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ، وتوقعوا منه النصرة مع أنهم هم الناصرون لهم كما قال عنهم : * ( حرقوه وانصروا آلهتكم ) * ( الأنبياء : 68 ) وفي الحقيقة لا هي ناصرة ولا منصورة . وقوله تعالى : * ( لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ ) * إشارة إلى الحشر بعد تقرير التوحيد ، وهذا كقوله تعالى : * ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) * ( الأنبياء : 98 ) وقوله : * ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم ) * ( الصافات : 22 ، 23 ) وقوله : * ( أولئك في العذاب ) * ( سبأ : 38 ) وهو يحتمل معنيين أحدهما : أن يكون العابدون جنداً لما اتخذوه آلهة كما ذكرنا الثاني : أن يكون الأصنام جنداً للعابدين ، وعلى هذا ففيه معنى لطيف وهو أنه تعالى لما قال : * ( لا يستطيعون نصرهم ) * أكدها بأنهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جنداً لهم ومحضرون لنصرتهم فإن ذلك دال على عدم الاستطاعة ، فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف م نلم يكن متأهباً ولم يجمع أنصاره . * ( فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) * وقوله تعالى : * ( فلا يحزنك قولهم ) * إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه دليل اجتبائه واختياره إياه . وقوله تعالى : * ( إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون يحتمل وجوهاً أحدها : أن يكون ذلك تهديداً للمنافقين والكافرين فقوله : * ( ما يسرون ) * من النفاق * ( وما يعلنون ) * من الشرك والثاني : ما يسرون من العلم بك وما يعلنون من الكفر بك الثالث : ما يسرون من العقائد الفاسدة وما يعلنون من الأفعال القبيحة . ثم إنه تعالى لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله : * ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً ) * ( يس : 71 ) ذكر دليلاً من الأنفس . فقال : * ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة ) * قيل إن المراد بالإنسان أبيّ بن خلف فإن الآية وردت فيه حيث أخذ عظماً بالياً وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنك تقول إن إلهك يحيي هذه العظام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ويدخلك جهنم ، وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ